تفصلنا أيام قليلة عن أكبر وأهم استحقاق انتخابي في الدنمارك. ففي صباح الخامس من حزيران/ يونيو القادم ستفتح آلاف المواقع الانتخابية على طول البلاد وعرضها ابوابها امام ما يزيد على اربعة ملايين مواطن دنماركي للادلاء باصواتهم وانتخاب برلمان جديد.
وقد تعودنا في الدورات الانتخابية الماضية،ان يكون موضوع الاجانب على رأس الموضوعات التي تدور حولها الحملات الانتخابية، حيث حصد اليمين المتطرف ثمار تلك الحملات على مدى السنوات العشرين الماضية. لكننا نشهد في هذه الانتخابات تحولا كبيرا ولافتا يستحق الانتباه، فعلى عكس ما حدث في الدورات الانتخابية السابقة، لم يحتل موضوع الاجانب موقع الصدارة هذه المرة، رغم محاولات اليمين المتطرف المتكررة، ولعل ما قام به المتطرف راسموس بالودين من ممارسات استفزازية وهوجاء ضد المسلمين في البلاد، خير دليل على ذلك. ولكن لماذا تراجع موضوع الاجانب في الحملة الانتخابية الاخيرة؟ وماهي المواضيع التي احتلت الصدارة في اهتمامات الناخب الدنماركي؟
للاجابة على هذه الاسئلة لابد من العودة الى اما حدث خلال السنوات الاربع الماضية. فقد اصدرت الحكومة الحالية الكثير من القوانينن وتعديلات القوانين التي ضيقت كثيرا فرص اللجوء والاقامة وجمع الشمل وقللت الى حد كبير من حجم المساعدات المالية، بحيث صار من الصعب جدا الحصول على الاقامة الدائمة في الدنمارك، خصوصا بعد سريان مفعول قانون الاقامة المؤقتة، هذا اضافة الى اجراءات اخرى كثيرة في مجال العمل والدمج الاجتماعي وغيره. وفي نفس السياق تحولت السياسات النافذة في مجال اللاجئين مثلا من الدمج الاجتماعي والتأهيل المهني الى وضع اللاجئ في حالة الانتظار بقصد العودة الى بلده الاصلي. وبذلك تكون الحكومة الحالية قد فعلت كل ما تستطيع في مجال الاجانب واللاجئين بحيث لم يبق لليمين ما يطالب به.
وعلى نفس المستوى شهدت السنوات الماضية اقتراب الاحزاب الرئيسية في تحالفي الحكومة والمعارضة من بعضها في مجال سياسات الاجانب الى حد غير مسبوق. حيث تعاونت تلك الاحزاب فيما بينها كثيرا تحت قبة البرلمان لاصدار القوانين الجديدة سالفة الذكر.
السبب الاخر الذي جعل موضوع الاجانب يتراجع عن موقع الصدارة في اهتمامات الناخب الدنماركي هو شدة وطأة النتائج الملموسة لسياسات الحكومة واجراءاتها التقشفية في مجالات كثيرة طالت شرائح واسعة من المجتمع في مجالات التعليم والرعاية الاجتماعية والصحة وغيرها من مفردات نظام الرفاه الاجتماعي. في مقابل ذلك اصدرت الحكومة تسهيلات كثيرة للشركات واصحاب رأس المال مما زاد في غنى الاغنياء وفقر الفقراء وأعدادهم. هذه السياسات الضارة بشرائح المجتمع الواسعة نقلت اهتمام الكثيرين منها الى موضوع الخدمات الاجتماعية الذي بات عنوانا كبيرا في الحملة الانتخابية الاخيرة.
اضافة الى كل ما تقدم احتل موضوع البيئة موقعا مهما في الحملة الانتخابية خصوصا بعد ان ثبت للناخبين ان الحكومة الحالية لم تقم بما يجب في هذا المجال. وقد قاد الشباب خلال الاشهر الماضية حملة واسعة ليس في الدنمارك وحدها وانما في اوروبا كلها، ضغطوا فيها بقوة على الحكومات من اجل المسارعة في وضع الحلول اللازمة لمعالجة الخطر البيئي الداهم.
كل هذه الاسباب ساعدت في تراجع موضوع الاجانب في الحملة الانتخابية الاخيرة.
لكن ذلك لا يعني ان ملف الاجانب واللاجئين لم يعد مفتوحا. بل على العكس، فالقوانين المتشددة الحالية في مجال الاجانب والقطاعات الاجتماعية الاخرى، سببت اضرارا يومية كثيرة بأعداد كبيرة من الناس الذين يحتاجون الى المساعدة، التي اشتهرت بها الدنمارك في العقود الماضية. ولكي تعود الدنمارك دولة انسانية وعادلة كما كانت لابد من تغيير تلك القوانين غير العادلة التي شرعها اليمين خلال السنوات الماضية. وهذا طبعا لا يمكن ان يحدث دون وصول الاحزاب المعروفة بنزعتها الانسانية المعارضة حاليا، الى مواقع اتخاذ القرار، بعد الفوز بالانتخابات وتشكيل حكومة جديدة. لذلك يجب على كل مواطن دنماركي من أصول عربية ان يمارس حقه بالتصويت لكي يساهم في مقاومة المد اليميني وتحجيمه وابعاده عن السلطة.
لنصوت اذاً في الخامس من حزيران/يونيو القادم من اجل التغيير والمستقبل!